حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
99
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
رحمانا رحيما أيضا فكأنه يقول : الرحمة الواحدة لا تكفي لصلاح المخلوقات فذرني وعبيدي فإني أنا الرحمن الرحيم ، رحمتي غير متناهية ومعصيتهم متناهية والمتناهي لا يدرك غير المتناهي فستغرق معصيتهم في بحار رحمتي وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [ الضحى : 5 ] . السادسة : حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال : كنت ضيفا لبعض القوم ، فقدم المائدة فنزل غراب وسلب رغيفا فاتبعته تعجبا ، فنزل في بعض التلال فإذا هو برجل مقيد مشدود اليدين ، فألقى الغراب ذلك الرغيف على وجهه . وعن ذي النون أنه قال : كنت في البيت إذ وقعت في قلبي داعية أن أخرج من البيت ، فانتهيت إلى شط النيل فرأيت عقربا قويا يعدو ، فلما وصل إلى النيل فإذا هو بضفدع على طرف النهر ، فقفز العقرب عليه وأخذ الضفدع يسبح ، فركبت السفينة فاتبعته حتى إذا وصل الضفدع إلى الطرف الآخر نزل العقرب عن ظهره وأخذ يعدو ، فتبعته فرأيت شابا نائما تحت شجرة وعنده أفعى يقصده ، فلما قرب الأفعى من ذلك الشاب وصلت العقرب إلى الأفعى ولدغتها والأفعى أيضا لدغتها وماتتا معا . وفي أدعية العرب : يا رازق النعاب في عشه . وحكايته أن ولد الغراب لما يخرج من البيض يكون كأنه قطعة لحم فتهجره أمه تنفرا منه ، حتى إذا خرج ريشه عادت إليه ، فيبعث اللّه تعالى إليه في تلك المدة ذبابا يغتذي به . وروي أن فتى قربت وفاته واعتقل لسانه عن شهادة أن لا إله إلا اللّه ، فأتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم وأخبروه ، فقام فدخل عليه وكان يعرض عليه الشهادة ولا يعمل لسانه فقال صلى اللّه عليه وسلم : أما كان يصلي أما كان يزكي أما كان يصوم ؟ فقالوا : بلى . فقال : فهل عق والدته ؟ قالوا : نعم . فقال : هاتوا أمه . فأتي بعجوز عوراء . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : هلا عفوت عنه ؟ فقالت : لا أعفو عنه لأنه لطمني ففقأ عيني . فقال صلى اللّه عليه وسلم : هاتوا بالحطب والنار فقالت : وما تصنع بالنار ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : أحرقه بالنار بين يديك جزاء بما عمل . فقالت : عفوت عفوت أللنار حملته تسعة أشهر أللنار أرضعته سنتين فأين رحمة الأم ؟ فعند ذلك انطلق لسانه وذكر « أشهد أن لا إله إلا اللّه » والنكتة أنها كانت رحيمة فقط ولم تجوّز الإحراق ، فالرحمن الرحيم كيف يجوز إحراق عبد واظب على ذكر الرحمن الرحيم سبعين سنة ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : إن للّه تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الإنس والجن والطير والبهائم والهوام فيها يتعاطفون ويتراحمون ، وأخر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة » « 1 » ولعل هذا على سبيل التفهيم والتمثيل وإلا فكرمه بلا غاية ورحمته بلا نهاية .
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأدب باب 19 . مسلم في كتاب التوبة حديث 19 . الترمذي في كتاب الدعوات باب 99 . ابن ماجة في كتاب الزهد باب 35 .